محمد بن يعلي بن عامر الضبي
89
أمثال العرب
ووقعت الحرب وتمايز الحيان بكر وتغلب ، فزعموا أنّ الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، وكان رجلا حليما شجاعا لما رأى ما وقع من الشر قال : لا ناقة لي في هذا ولا جمل « 1 » فأرسلها مثلا واعتزل فلم يدخل في شيء من أمرهم . ثم إن بني تغلب قالوا « 2 » : لا تعجلوا على إخوتكم حتى تعذروا فيما بينكم وبينهم ، فانطلق رهط من أشرافهم وذوي أسنانهم حتى أتوا مرة بن ذهل بن شيبان فعظموا ما بينهم وبينه وقالوا : اختر منا خصالا : إما أن تدفع إلينا جساسا فنقتله بصاحبنا ، فلم يظلم من قتل قاتله ، وإما أن تدفع إلينا هماما ، أو تقيدنا من نفسك ، فسكت وقد حضرته وجوه بكر بن وائل فقالوا : إنك غير مخذول « 3 » قال : أما جساس فإنه غلام حديث السن ركب رأسه فهرب حين خاف ولا علم لي به ، وأما همام فأبو عشرة وأخو عشرة وعمّ عشرة « 4 » ، ولو دفعته إليكم صيّح بنوه في وجهي وقالوا : دفعت أبانا [ للقتل ] بجريرة غيره فهل لكم إلى غير ذلك ؟ هؤلاء بنيّ فدونكم أحدهم فاقتلوه وأما أنا فما أتعجل من الموت ، وهل تزيد الخيل على أن تجول جولة فأكون أول قتيل ، ولكن هل لكم إلى غير ذلك ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : لكم ألف ناقة يضمنها لكم بكر بن وائل « 5 » فغضبوا وقالوا : لم نأتك لترذل لنا - أي تعطينا رذال بنيك - ولا تسومنا اللبن . ثم تفرقوا فوقعت الحرب بينهم ، فاعتزل الحارث بن عباد بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة . ثم إن بني تغلب لقوا بجير بن الحارث بن عباد وهو غلام في إبله فأتوا به مهلهلا ، وكان رئيس بني تغلب بعد كليب ، وكان كليب يضعّفه ويقول : إنما أنت زير نساء ، فلما أتي ببجير قال : من أنت « 6 » يا غلام ؟ قال : أنا بجير بن الحارث بن عباد ، وقد عرفت أن أبي قد كره أمر هذه الحرب واعتزل الدخول فيها ، قال : من أمك ؟ قال : فلانة بنت فلان ، فأمر به مهلهل فضربت عنقه وقال : بؤ بشسع نعل كليب « 7 » ، فبلغ الحارث بن عباد الخبر
--> ( 1 ) المثل في جمهرة العسكري : 2 : 391 ( لا ناقتي فيها ولا جملي ) وانظر : فصل المقال : 388 ( في قصة مختلفة ) والعقد 3 : 113 والمستقصى : 282 والأغاني ( 5 : 34 ، 39 ( وروي : لا أنا من هذا ولا ناقتي ولا جملي ولا عدلي ، وروي : لست من هذا ولا جملي لا رحلي ) . ( 2 ) ينقل الأغاني هنا ( 5 : 34 ) رواية المفضل . ( 3 ) الأغاني : 5 / 34 فقالوا : تكلم غير مخذول . ( 4 ) « وعم عشرة » : لم ترد في الأغاني . ( 5 ) من قوله : بجريرة غيره . . . إلى هذا الموضع اختلاف في ترتيب السياق عما هو في الأغاني . ( 6 ) في رواية : من خالك يا غلام ؟ . ( 7 ) الأغاني : 5 : 40 وجمهرة العسكري 1 : 26 ( بؤ بشسع كليب ) .